عبد الله بن محمد بن شاهاور الرازي

14

منارات السائرين إلى حضرة الله ومقامات الطائرين

والتجزىء ؛ لأنه ليس بجسم ولا عرض بل هو جوهر قائم بذاته والدليل عليه أن الجسم إذا قبل صورة ما ، لم يمكنه أن يقبل صورة غيرها من جنسها إلا بعد أن يخلع الصورة الأولى ويفارقها على التمام ، ومثال ذلك أن الفضة إذا قبلت صورة الجام « 1 » لم يمكنها أن تقبل صورة الكوز إلا بعد أن يزول عنها صورة الجام ويخلعها خلعا تاما ، وكذلك الشمع إذا قبل صورة نقش ما ، لم يمكنه أن يقبل صورة نقش آخر إلا بعد أن تنمحي صورة النقش الأول وتفارقه مفارقة تامة ، وعلى هذا جميع الأجسام وهذه قضية صادقة مشهورة لا يحتاج فيها إلى دليل ، فإنّا إذا وجدنا شيئا حاله بخلاف حال الأجسام في المعنى الذي ذكرناه ، أعني أنه يقبل صورا كثيرة من غير أن يبطل شيء منها تبين لنا أنه ليس بجسم ، فإن بان لنا أنه كلما كثرت هذه الصور فيها ازدادت قوة على قبول غيرها ، ثم جرى ذلك منها على هذا النظام إلى غير نهاية ، ازددنا بصيرة ويقينا أنه ليس بجسم فالروح الإنساني الذي هو من الملكوت الأعلى بهذه الصفة ، وذلك أنه إذا قبل صورة معقول ما أو ثبتت تلك الصورة ازداد بها قوة على تصور معقول آخر إليها من غير أن تفسد الصورة الأولى ، ثم كلما كثرت صور المعقولات فيه اقتدر بها على قبول غيرها وقوي في هذا القبول قوة متزايدة بحسب تزايد المعقولات . فصل : [ في تمايز الإنسان عن البهائم ] ثم إنه من الأمور المسلمة أن الإنسان إنما تميز عن البهائم وغيرها بهذا المعنى الموجود له بتخاطيطه ولا بشيء من أشكاله البدنية ، ومن الدليل على أن ذلك كذلك أن هذا المعنى هو الذي يقال به فلان أكثر إنسانية من فلان إذا كان فيه أبين وأظهر ، ولو كانت الإنسانية بالتخطيط وغيرها من جملة البدن لكان إذا تزايدت من إنسان قيل بها فلان أكثر إنسانية من فلان ، ولسنا نجد الأمر كذلك ، وبهذا المعنى الذي ذكرناه يسمى مرة بما نسميه روحا إنسانيا ومرة نفسا ناطقة ومرة قوة عاقلة ومرة قوة مميزة ولسنا نشاح في الأسماء فليسم بأي اسم كان ، ولكن الاسم الذي به سماه اللّه تعالى ورسوله أولى به وأليق وهو الروح ، ومما يدل أيضا أن هذا المعنى أي الروح ليس بجسم أن جميع أعضاء الإنسان وغيرها من الحيوان صغر فيه أم كبر ظهر منه أو بطن ، إنما هو آلة مستعملة لغرض لم يكن يتم إلا بها وإذا كان البدن كله آلات ولكل آلة منها فعل خاص لا يتم إلا بها اقتضى مستعملا يستعمله كما نجد آلات الصائغ والنجار وغيرهما ، وليس يجوز أن يقال : إن بعض البدن يستعمل بعضه هذا

--> ( 1 ) الجام : إناء للشراب والطعام من فضة أو نحوها ، وقد غلب استعماله في قدح الشراب . ويقال : صب عليه جام غضبه . ( المعجم الوجيز ، مادة الجام ) .